من الجماعات الإرهابية إلى مفاصل الدولة  معضلة المقاتلين الأجانب في سوريا

تحمل مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد

وتولي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع مقاليد الحكم في سوريا في طياتها تحولات دراماتيكية عميقة. ولم يعد المشهد منحصرا في حدود طيّ صفحة الحكم السابق فحسب، بل اصطدم بواحدة من أكثر قضايا النزاع تعقيدا وخطورة على مستوى الأمن الإقليمي الدولي والداخلي، ألا وهو ملف المقاتلين الأجانب والعرب الذين تقاطروا على الأراضي السورية منذ عام 2011. لقد تحول هذا الملف الشائك اليوم إلى امتحان وجودي فاصل يختبر قدرة الحكم الجديد على الخروج من عباءة الحركات المتشددة، والعبور نحو نموذج "دولة القانون والمؤسسات" والذي يحتكم لسيادة القانون ومصالح البلاد العليا.

ويشكل الصعود السياسي للرئيس أحمد الشرع إلى سدة الحكم في دمشق مفارقة تاريخية وتحولا لافتا في مسار الحركات الإسلامية المسلحة. والمعلوم ان الشرع انخرط مبكرا في صفوف التنظيمات المسلحة، حيث قاتل في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003. وعقب اندلاع "الثورة" السورية، أرسلته قيادة تنظيم القاعدة في العراق إلى سوريا، حيث أسس "جبهة النصرة لأهل الشام" أواخر عام 2011 وبداية عام 2012 لتصبح أحد الفصائل العسكرية البارزة في الصراع السوري. وفي جويلية من عام 2016، أعلن فك ارتباط "جبهة النصرة" رسميا عن تنظيم القاعدة، وغير اسم التنظيم إلى "جبهة فتح الشام"، والتي اندمجت لاحقا مع فصائل أخرى لتشكل "هيئة تحرير الشام" عام 2017. و يجد اليوم الشرع نفسه في موقع المسؤولية الأولى عن إدارة دولة بكل تعقيداتها الجيوسياسية والمجتمعية. هذا المسار الانتقالي المعقد يجعل من شخصية الشرع محورا لتساؤلات كبرى حول قدرته على العبور بالبلاد من أيديولوجيا الفصائل والحركات المتطرفة والمتشددة إلى رحاب مؤسسات الدولة المدنية.

ولفهم تعقيدات هذا الملف، لا بد من الغوص في الجذور الأولى لانطلاق التنظيمات الإرهابية والتكفيرية والمتشددة، حيث وُلد  ما يسمى بـ"تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" أي داعش الارهابي ممتدا من جماعات "التوحيد والجهاد" وقاعدة العراق التي تأسست عام 2003، ليعلن أبو بكر البغدادي تمدده إلى سوريا في أفريل 2013، مؤسسا لنموذج غير مسبوق من الإرهاب العابر للحدود اعتمد على العنف الدموي الأقصى.

وفي التوقيت ذاته، تم الإعلان عن تأسيس "جبهة النصرة لأهل الشام" رسميا في 24 جانفي 2012  بقيادة أحمد الشرع (الجولاني) كامتداد لتنظيم القاعدة، لتبدأ بين التنظيمين معارك وانشقاقات هيكلية أفرزت صراعات دموية خلفت "إرثا من الدم" والمقابر الجماعية والانقسامات الحادة. لقد استغل كلا التنظيمان الخطاب المتشدد لاستقطاب مئات الآلاف، تاركين وراءهم سجلا أسود من الجرائم والانتهاكات التي صدمت الضمير الإنساني، وزرعت شروخا عميقة في النسيج الاجتماعي السوري والإقليمي.

وفي خضم ذلك ،شهدت الساحة السورية على مدى العقد الماضي تدفقا غير مسبوق للمقاتلين الأجانب وعائلاتهم، والذين تُقدر أعدادهم اليوم بما بين 3500 إلى 5000 مقاتل ينتمون إلى أكثر من مئة دولة. وينتظم هؤلاء ضمن جنسيات متعددة أبرزها  الأويغور (التركستان) القادمون من الصين، ويُعدّون من أكبر التجمعات العددية أي نحو 1500 إلى 2500 مقاتل . إضافة الى الشيشان والقوقاز ويقدرون بنحو 150 إلى 250 مقاتلا. وكذلك العرب القادمون خاصة من الخليج والأردن ومصر وتونس والمغرب. والملاحظ ان  هناك أعداد محدودة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا بعد عودة قطاع واسع منهم لبلدانهم. إضافة الى جنسيات أخرى من الأوزبك، والطاجيك، والأتراك، والألبان.

ومع تشكيل وزارة الدفاع في هيكلية الجيش السوري الجديد بعد سقوط النظام، شرعت الوزارة في دمج هذه الفصائل وإعادة هيكلتها تحت قيادة موحدة ضمن تشكيلات رسمية تابعة للدولة مثل الحزب الإسلامي التركستاني وأنصار التوحيد، وأجناد القوقاز وغيرها.

وتجسد الخطر الأكبر لهذه الحركات المتطرفة في التداعيات الميدانية الخطيرة التي شهدتها المرحلة الانتقالية اللاحقة في سوريا، حيث وثقت تقارير حقوقية ودولية مثل تحقيقات هيومن رايتس ووتش تورط عناصر متشددة ومجموعات من المقاتلين الأجانب في أحداث عنف طائفي دامية استهدفت أبناء الطائفة العلوية في مناطق الساحل السوري وحمص. لقد أسفرت هذه الانتهاكات والإعدامات الميدانية عن مقتل مئات المدنيين السوريين، مما شكل صدمة قاسية للنسيج المجتمعي السوري، وأعاد إحياء مخاوف الإقصاء والتطهير المذهبي. وفيما قابل المجتمع السوري وقواه الحية هذه الممارسات بإدانات واسعة، إلا أن تلك التجاوزات ساهمت بشكل مؤلم في توسيع الشرخ الوطني، وغيبت -أكثر فأكثر- الحلم المنشود بقيام دولة ديمقراطية عادلة تحتكم لسيادة القانون وتصون حقوق جميع مواطنيها بلا استثناء.

وفي تعاطيها مع هذا الإرث الثقيل، انتهجت الإدارة الجديدة مقاربة مركبة. ففي تصريحات سابقة، وعد الرئيس أحمد الشرع هؤلاء المقاتلين الأجانب الذين ساهموا في الإطاحة بنظام الأسد بمكافأتهم ملمحا إلى إمكانية منحهم الجنسية السورية ضمن أطر تنظيمية محددة وتتعلق خاصة عاشوا في سوريا لسنوات طويلة واستقروا فيها وتزوج بعضهم من مواطنات سوريات.

وفي السياق نفسه، أعلنت الإدارة السورية عن تعيين عدد من المقاتلين الأجانب في مناصب عليا ضمن الجيش الجديد وإدارة العمليات العسكرية.

مع ذلك، تدرك دمشق حجم الضغوط الإقليمية والدولية، وتضع لنفسها قواعد حاسمة بعدم تسليم أي مقاتل إلا بمبرر قانوني عادل. وعدم السماح لهؤلاء المقاتلين  ببناء تنظيمات خاصة خارج سيطرة الدولة. وكذلك منع قيام أي نشاط يستهدف أمن الدول الإقليمية.

وعلى الجانب الآخر، يمثل ملف المقاتلين العائدين وجها آخر للأزمة، فبينما تمكن بعض هؤلاء المقاتلين الأجانب -ومن بينهم تونسيين- في التغلغل ضمن مفاصل السلطة الجديدة بدمشق وتولي مهام حساسة، يظل شبح العائدين يؤرق الأمن القومي التونسي ودول المنطقة. اذ تتعامل تونس بحذر أمني شديد واحترازات صارمة  مع تكثيف التفتيش الحدودي في مطاراتها للحد من ارتدادات هذا الملف الأمني المعقد.

وفي سياق متصل ، برز ملف نقل المئات من معتقلي تنظيم "داعش" الإرهابي وعناصر التنظيمات المتشددة من سجون شمال شرق سوريا -والتي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) - إلى داخل الأراضي العراقية، وتحديدا إلى قسم سجن الكرخ المركزي تحت إشراف وزارة العدل العراقية وذلك بين   21 جانفي و 13 فيفري  من العام الجاري  . وقد جاءت عمليات النقل المكثفة هذه في إطار ترتيبات أمنية وقضائية مشددة قادتها السلطات العراقية بالتنسيق مع سوريا وبعض الأطراف الدولية والإقليمية المعنية . ويهدف هذا الإجراء الى تفريغ سجون شمال شرق سوريا التي باتت تشكل بؤرة توتر أمني قابلة للانفجار، وكذلك اخضاع هؤلاء المقاتلين لمحاكمات قضائية رسمية في العراق، ومنع أي محاولات لفرارهم أو إعادة تنظيم صفوفهم في ظل الفراغ الأمني والتحولات السياسية المتسارعة التي شهدتها سوريا والمنطقة. وتُظهر السجلات الرسمية لإدارة السجن وجود 5704 مقاتلا بينهم 234 سجينا تونسيا ضمن السجناء المنقولين من ذوي الارتباطات التنظيمية السابقة وهذا يضع تونس، أمام تحديات أمنية وقضائية معقدة للتعامل مع هذا الإرث الثقيل بكل تداعياته .

ولا يمكن اختزال مصير المقاتلين الأجانب في سوريا في مسار واحد، بل تتشابك أمامه عدة سيناريوهات رئيسية تتحدد تبعا للاختلافات الأيديولوجية والجنسيات وظروف المرحلة . ففي التجارب المقارنة نجد السيناريو البوسني الذي يقوم على دمج المقاتلين ضمن المجتمع السوري وقبولهم كمواطنين بشروط صارمة تتضمن التخلي عن أي تهديد خارجي، والالتزام بالقانون السوري. أو السيناريو الأفغاني القائم على العودة الطوعية أو القسرية للبلدان الاصلية لهؤلاء المقاتلين .  

كما ان هناك السيناريو العراقي والأوكراني كالانتقال نحو ساحات قتالية أخرى . وهنا تذكر بعض التقارير عن انتقال مقاتلي "أجناد القوقاز" للقتال في أوكرانيا عام 2023.

فور وصوله للحكم قال الشرع مقولته الشهيرة  " لا يصلح أن تدار الدولة بعقلية الجماعات والفصائل " ، وانطلاقا من ذلك يطرح السؤال اليوم حول مدى  قدرة الحكم الجديد في سوريا على تفكيك إرث الدم والتطرف الذي زرعته "داعش" وأخواتها دون الإخلال بالسلم الأهلي. فالعبور الحقيقي من عباءة الجماعات المتطرفة إلى رحاب " دولة القانون" يقتضي بناء منظومة قانونية ومؤسساتية عادلة ومستقلة، تثبت أن سيادة القانون ومصلحة الشعب السوري بكافة مكوناته هي البوصلة الوحيدة التي تحكم علاقة الدولة بمن على أرضها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115